
الوقفة الرابعة " زهده "
كان صلى الله عليه وسلم الأسوة العظمى في الإقبال على الآخرة
وترك الدنيا وعدم الإلتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها
أو التنعم بخيراتها ..
فلم يبني قصرا ، ولم يدخر مالا ، ولم يكن له كنز ولا جنة يأكل منها ،
وكان يدعو بقوله وفعله وحاله الى الزهد في الدنيا والاستعداد والعمل
للآخرة.
بل خير بين أن يكون ملكا رسولا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون
عبدا رسولا ، يشبع يوما ويجوع يوما ، حتى لقي الله عز وجل .
وكان زهده صلى الله عليه وسلم زهد من علم بفناء الدنيا وسرعة
زوالها وقلة زادها وقصر عمرها ، وبقاء الآخرة وما أعده الله لأوليائه
فيها من نعيم مقيم وأجرعظيم وخلود دائم ، فرفض صلى الله عليه وسلم
الأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يسد الرمق ، مع العلم أن الدنيا عرضت عليه
وتزينت له وأقبلت إليه ، ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهبا وفضة
لكانت ، بل آثر الزهد والكفاف ، فربما بات جائعا ويمرالشهر لا توقد
في بيته نار ، ويستمر الأيام طاويا لا يجد رديء التمر يسد به جوعه ،
وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متواليات ، وكان ينام على الحصير
حتى أثر في جنبه ، وربط الحجر على بطنه من الجوع ، وكان ربما
عرف أصحابه أثر الجوع في وجهه صلى الله عليه وسلم.
وكان بيته من طين ، متقارب الأطراف ، داني السقف ، وقد رهن درعه
في ثلاثين صاعا من شعير عند يهودي ، وربما لبس إزارا ورداء فحسب ،
وما أكل على خوان قط ، إكراما لنفسه عن أدران الدنيا ، وتهذيبا لروحه
وحفظا لدينه ليبقى أجره كاملا عند ربه ، وليتحقق له وعد مولاه :
(( ولسوف يعطيك ربك فترضى ))
وكان يقسم الأموال على الناس ثم لا يحوز منها درهما واحدا ، ويوزع
الإبل والبقر والغنم على الأصحاب والأتباع والمؤلفة قلوبهم ثم لا يهب
بناقة ولا بقرة ولا شاة .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه اضطجع على الحصير فأثر في
جنبه ، فدخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبكى وجعل يمسح
جنبه فقال رضي الله عنه :
يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا ؟
فقال صلى الله عليه وسلم :
"مالي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف
فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها "
وقال صلى الله عليه وسلم :
" لو كان لي مثل أُحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث وعندي
منه شيء ، إلا شيء أرصده لدين "
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
( ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض )
وقالت عائشة رضي الله عنها :
( خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير )
وقالت رضي الله عنها:
( ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر )
وقالت رضي الله عنها :
( إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات
رسول الله صلى الله عليه وسلم نار.
فقال عروة : ما كان يقيتكم ؟
قالت : الأسودان .. التمر والماء )
و قالت رضي الله عنهما :
( كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدَم وحشوه ليف )
ومع هذا كان يقول صلى الله عليه وسلم :
" اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا "
ومع زهده في الدنيا كان صلى الله عليه وسلم سخيا وجوادا ، فكان
لا يرد سائلا ولا يحجب طالبا ولا يخيب قاصدا ، وأخبر أن الدنيا لا تساوي
عند الله جناح بعوضة ..
وقال صلى الله عليه وسلم في الدنيا :
" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال :
" ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال :
" الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما "
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال :
" ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت
فأمضيت "

------
وللوقفات بقية بإذن الله نصرة للحبيب من عباد الصليب