
الوقفة الثانية " دعوته "
كانت وظيفته صلى الله عليه وسلم هي الدعوة إلى التوحيد ، وإنقاذ
الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، ومن ظلمات المعاصي والسيئات
إلى نور الطاعات والأعمال الصالحات ، ومن الجهل إلى المعرفة والعلم ،
فلا خير إلا دل أمته عليه ، ولا شر إلا حذرها منه صلى الله عليه وسلم.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة وإماما يقتدى به لقوله
تعالى :
(( لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر
وذكر الله كثيرا ))
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تفطرت قدماه وانتفخت وورمت
فقيل له :
أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
قال صلى الله عليه وسلم :
" أفلا أكون عبداً شكورا "
وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة ،
وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة ، وربما صلاها عشر ركعات ، وكان
يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله ، وكان يطيل صلاة الليل فربما
صلى ما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة ، فكان ورده من الصلاة
كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة .
وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر ، ويتحرى صيام الاثنين والخميس ،
وكان يصوم شعبان إلا قليلا ، بل كان يصومه كله ، ورغب في صيام ست من
شوال ، وكان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال :
لا يفطر ، ويفطر حتى يقال : لا يصوم .
وما استكمل شهر غير رمضان إلا ما كان منه في شعبان ، وكان يصوم يوم
عاشوراء ، وروي عنه صوم تسع ذي الحجة ، وكان يواصل الصيام اليومين
والثلاثة وينهى عن الوصال ، وبين أنه صلى الله عليه وسلم ليس كأمته ، فإنه
يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ، وهذا على الصحيح :
ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة الله تعالى ، ولهذا
قال : " يا بلال أرحنا بالصلاة "
وقال : " وجُعِلت قرة عيني في الصلاة "
ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول :
" خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وأحب العمل
إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل"
وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة داوم عليها ، وقد تقال عبادة
النبي صلى الله عليه وسلم نفر من أصحابه صلى الله عليه وسلم وقالوا :
وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟
وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال بعضهم :
أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا
وقال بعضهم :
أنا أصوم ولا أفطر
وقال بعضهم :
أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إليهم فقال :
" أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟
أما والله إني لأخشاكم الله أتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي
وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"
والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض ، والرغبة عن الشيء
الإعراض عنه إلى غيره.
ومع هذه الأعمال الجليلة فقد كان يقول صلى الله عليه وسلم :
" سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله "
قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟
قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "
وكان يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "
ويقول : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك "
وكان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه
ولهذا قال :
" إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل "

------
وللوقفات بقية بإذن الله نصرة للحبيب من عباد الصليب